كرونيك

كلنا تحاملنا على حزب ليس إسلاميا…، بشهادة زبناء الحانات

علم التأويل أو علم المقامية أو الذرائعية علم من اللسانيات يهتم بتفسير الفرق والفجوة بين معاني كلمات اللغة ومعانى مقصود المتكلم.

هكذا، حين ينبهك أحدهم أن هناك تيار هوائي يخترق الحجرة، فهو يقصد، لا محالة، أن يقول لك: اقفل النافذة من فضلك.

بتبسيط شديد، تهتم التداوليات أو الذرائعية بالقصد من وراء الكلمات وكذا بأثرها المادي الملموس في محيطها.

مثلا، حين ينطق الرجل كلمات الطلاق، تصبح زوجته امرأة لم تعد تجمعه بها أية علاقة، بأثر مباشر لكلمات ذات الرجل.

في مثال آخر، حين يصرح عبد اللطيف وهبي، الفصيح البليغ، في برنامج حواري مطول على القناة الثانية بكم كبير من الكلمات والجمل المطروزة بعناية، يجدر بالمتتبع أن يبحث عن القصد والأثر معا.

لم ينطق وهبي بكلمات طلاق مثل زوج تعيسة الحظ الذي سقته مثالا للتوضيح، غير أن وهبي، بالفعل، طلق مجموعة من مرتكزات وأفكار الحزب السابقة.

يقول وهبي أن حزب العدالة والتنمية لم يقفل حانة واحدة ولا طالب أبدا بتطبيق أحكام الشريعة بدل أحكام القضاء المدني.

انتهى إذن عهد تنصيب حزب العثماني ممثلا عن الإسلاميين، وانتهى فيتو الحزب حول إمكانية التحالف معه.

حسب ما قصد وهبي، تحاملنا كلنا على حزب ليس إسلاميا بالمرة، بشهادة زبناء الحانات ومرتفقي المحاكم.

فالقصد إذن هو تصحيح مسار حزب البام الذي استهل مشواره السياسي بمهمة مواجهة الإسلاميين.

أخطأ الحزب وأخطأ معه حتى أعداءه في هذه المواجهة، التي أفسدت السياسة، وهذه أقوال وهبي.

عودة إلى علم اللسانيات، يحتاج التداول اللغوي للسياق والمقام باعتبارهما شرطين أساسيين في الكيفية التي يحصل بها التواصل وإنتاج الدلالة بين مستعملي اللغة في علاقاتهم التخاطبية.

غير أن هناك ايضا شروطا غير لغوية تتدخل في تحديد الأداء اللغوي.

عرض وهبي اللغوي يرتكز على فهم المشاهد اللبيب لأشياء لا تقال، ومنها ان القيادة السابقة فاشلة وحبذا لو كانت هناك طريقة للتخلص من الغريم السابق عبر اقالته من منصبه، استنادا على حادثة تعيين ضباط الكهرباء.

لا يحتاج وهبي لدراسة التداوليات، فهو يتقن منطق الحجاج بحكم مجال عمله.

كان واضحا في انتقاد عشوائية وتناقض بعض قرارات الحكومة في تدبيرها لملف كوفيد.

كان صريحا أيضا حين اعتبر أن التقنوقراط لا مكان لهم داخل حكومة ديموقراطية، لصعوبة محاسبتهم.

و بين ما أفصح عنه الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة وما أضمره، مساحة للشك والتأويل.

قد تنفع التداوليات في استخراج المعاني المقصودة والأثر الذي سيترتب عنها داخل الحزب، وقد لا تنفع إذا كان السيد الأمين يروم فقط كسب صورة رجل السياسة المقدام والمبادر.

في الخلاصة، قدم وهبي عرضا جيدا في أول ظهور إعلامي مطول بعد انتخابه، لا ينقصه سوى ترجمة ما صرح به إلى مواقف واضحة يتبناه رفاقه في الحزب.

أما عن العشق، فليقبل سي عبد اللطيف أبياتا  شعرية للجواهري، تعزيه في محبوبته تارودانت الجميلة التي تقابله بالصد والجفاء:

إن كان لا بد الرِّهانُ فرحمةً بالمرتهن

رفقاً بقلب ما درى غيرَ الشجي بك والشجن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock